المساعدة القانونية في القضايا الجنائية

تصحيح نظام غير كامل

في هذا القسم

تصحيح نظام غير كامل: المساعدة القانونية في القضايا الجنائية

"لم أكن أعلم أنه من أجل تقديم قضية في المحكمة يجب أن تكون عالماً في الرياضيات". – أبو يوسف.

عند الحديث عن العدالة الجنائية في الأردن، تتشابك العديد من المبادئ المعقدة والتي يجب وضعها في الاعتبار، ومع ذلك ولغايات تبسيط الفكرة سنأخذ مبدأ أساسياً واحداً: لكل شخص الحق في الدفاع أمام القضاء. وقد كفل الدستور الأردني هذا الحق، ففي حال لم يتمكن الشخص من تحمل تكاليف محامٍ، أو كان غير مؤهل للحصول على خدمات المساعدة القانونية من الدولة، يحق للمدعى عليهم أن يمثلوا أنفسهم أمام القضاء. لكن؛ في هذا السياق لا تؤخذ جودة الدفاع بالاعتبار، حيث تعتمد جودة الدفاع المقدم على قدرة ومهارات المدعى عليهم للتنقل داخل النظام القانوني.

 

وجد مركز العدل من خلال تجربته بأن معظم المستفيدين الذين يواجهون محاكمات جنائية دون محامٍ يتشاركون الخوف والارتباك من خوض هذه التجربة بمفردهم مثل أبو يوسف، قبل أن يتم إحالة ملفه إلى مركز العدل حضر أبو يوسف جلسات وإجراءات المحكمة بنفسه، إلا أن عدم معرفته بالقانون واللغة القانونية المستخدمة داخل المحكمة جعلته غير قادر على فهم ما تعنيه الأرقام التي تم الاستشهاد بها إشارة إلى المواد والقوانين، الأمر الذي شكل لديه تحدياً في عرض قضيته بالإضافة إلى استحالة متابعة الإجراءات وتقديم دفاع كافٍ.

 

تكشف هذه القصة وقصصاً أخرى كثيرة متشابهة الواقع المجحف لآلاف الأشخاص الذين يواجهون أو حتى يرفعون تهماً جنائية في ظل نظام لا يمكنهم من الحصول على مساعدة قانونية فعالة. يؤدي هذا القصور إلى عواقب قد تكون كارثية؛ الكثير من الضحايا قد يعجزوا عن المطالبة بحقوقهم والحصول على العدالة، وقد يتم إدانة المدعى عليهم رغم براءتهم أو الحكم عليهم بعقوبة لا تتناسب مع طبيعة الجريمة المرتكبة. إن الوصول إلى مستشار قانوني في الوقت المناسب قد يشكل الفرق بين الحكم بقضاء سنوات في السجن أو الخدمة المجتمعية كعقوبة بديلة أو الحكم بالبراءة في أفضل الأحوال.

 

في الأردن، يحق للمتهمين الذين يواجهون عقوبة السجن لمدة ١٠ سنوات أو أكثر الحصول على مساعدة قانونية من الدولة. في التطبيق العملي؛ تقوم المحاكم كل عام بتعيين بضع مئات من المحامين لتقديم خدمات المساعدة القانونية، مما يترك الغالبية العظمى من الاحتياجات دون تلبية. يسعى مركز العدل جاهداً إلى سد هذه الفجوة الناتجة عن قصور النظام. بين عام ٢٠١٨-٢٠٢٠ قدم المركز أكثر من ٣٥٠٠ خدمة قانونية في قضايا جنائية من خلال وحدة العدالة الجنائية المتخصصة، تتكون الوحدة من فرق مكونة من محامٍ مبتدئ ومتوسط وكبير اعتماداً على سنوات الخبرة، يعملون في خط متوازي في القضايا المعينة. ساعدت هذه المنهجية المحامين المبتدئين من النمو بشكل كبير من خلال العمل جنباً إلى جنب مع زملاء أكثر خبرة، مع تذكير المحامين في المستوى الثاني والثالث بأهمية أداء المهام ” الصغيرة” وتأثيرها على القضية. بفضل هذا النهج يتفخر مركز العدل بالمساهمة في إعداد بعض من أفضل المحامين الجنائيين في الأردن.

 

“بدأت العمل في مركز العمل كمتدربة عندما تخرجت من الجامعة، واليوم أعمل كمحامية.” – عنود الوحش، محامية.

 

في إطار العمل في مجال العدالة الجنائية، أنشئ مركز العدل خطاً ساخناً للاحتجاز متاحاً على مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع للأشخاص الموقوفين والمحتجزين داخل المراكز الأمنية ومديريات الشرطة. بين عامي ٢٠١٨-٢٠٢٠ ساعد مركز العدل من خلال خدمات الخط الساخن أكثر من ٩٠٠ شخص محتجز.

 

“عندما ننهي المكالمة ونغلق الهاتف ندرك بأننا أحدثنا فرقاً في حياة الشخص على الجانب الآخر، هكذا نحصل على الدافع لتلقي المكالمة التالية، في الواقع القصة التالية.” – آية حجازي، مسؤولة الخط الساخن.

 

على الرغم من هذه الجهود، ما تزال الفجوة واسعة بين العرض والطلب. من أجل تقليص هذه الفجوة جزئياً؛ لا تهدف برامج التوعية التي يقدمها مركز العدل إلى توعية الأفراد بحقوقهم في المسائل الجنائية فحسب، بل إلى الحد من الجريمة. منذ عام ٢٠١٨ قدم المركز ما يزيد عن ٥٦٠ نشاطاً توعوياً غطت مواضيعاً جنائية، وصل من خلالها إلى أكثر من ٢٢٣٠٠ شخصاً من النساء والرجال والأطفال. ركزت ٥٠٪ من الأنشطة التوعوية التي قدمها المركز بين عامي ٢٠١٨ – ٢٠٢٠ على الجرائم الالكترونية، و٢٣٪ تناولت المسائل المتعلقة بالديون. برزت الحاجة إلى التوعية المكثفة حول هاتان الفئتان في الأردن حيث وجد الكثير من الأفراد أنفسهم متهمين بارتكاب جريمة دون العلم بأن الفعل مخالف للقانون.

 

يسعى مركز العدل من خلال جهوده المقدمة بهذا المجال إلى تعزيز سيادة القانون وتطوير الممارسات والآليات القانونية المتبعة في مجال العدالة الجنائية.

أكثر من مجرد أرقام: تأثير يستحق أن يروى

تأخذ الأرقام دوراً هاماً في تقدير ومراقبة جهود العمل والخدمات المقدمة، إلا أنها لا تقدم سوى صورة محدودة حول التأثير الحقيقي والتغيير طويل المدى والذي يؤثر على حياة العديد من الأفراد.

 

إن أثر المساعدة القانونية في القضايا الجنائية لا يرتبط بالحكم القضائي على المدى الطويل كحم الإدانة أو البراءة، حيث يؤثر التدخل المبكر للمحامي على مدد الاحتجاز: إن قضاء يوم إضافي في السجن أثناء انتظار المحاكمة يعني لكثير من الأفراد فقدان وظائفهم أو عدم القدرة على دفع الإيجار أو حتى إطعام أسرهم.

 

في القضايا الجنائية، يبدأ تدخل مركز العدل في المرحلة الأكثر أهمية داخل نظام العدالة الجنائية: مرحلة ما قبل المحاكمة. غالباً ما تكون الساعات الأولى من الإجراءات الجنائية هي الأكثر أهمية في تحديد الأساس للمتهم في الدفاع عن نفسه، وتحديد التهمة ومدة الاحتجاز، أي ما إذا كان المتهم سيواجه محاكمة عادلة أم لا. كما تعد مرحلة ما قبل المحاكمة المرحلة التي يكون فيها المحتجزون هم الأكثر ضعفاً مما يزيد من احتمالية تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة والاعترافات القسرية والاحتجاز التعسفي. في كثير من الأحيان يؤدي عدم وجود محامٍ في فترة ما قبل المحاكمة إلى فترات احتجاز أطول مما يسبب ضغوطاً إضافية على المتهمين.

من ١٥ إلى ١: عندما تصنع الأرقام فرقاً

صلاح وسامر شابان أردنيان في أوائل العشرينات، دخلا في مشادة كلامية مع راشد الذي لم يكمل ١٨ عاماً، اشتد الجدال بينهم إلى أن وصل إلى عراك بالأيدي. علم والد راشد بالمشكلة وقام على إثرها بإبلاغ الشرطة بالحادثة بالإضافة إلى رفع قضية اعتداء جنسي ضد صلاح وسامر بدلاً من اعتداء. في الأردن تصل عقوبة الاعتداء الجنسي إلى السجن مدة قد تصل إلى ١٥ عاماً، في حين لا تتجاوز عقوبة الاعتداء السجن لمدة عام. أثناء احتجازهم في المركز الأمني تواصل صلاح وسامر مع مركز العدل عبر الخط الساخن وذهب المحامي المناوب لتمثيلهم في المركز الأمني. طلب المحامي من ضابط الشرطة المسؤول عن الملف تعديل وصف وفئة الشكوى لضمان إجراءات عادلة في حال تم إحالة القضية إلى المحكمة.

 

في النهاية، لم تصل القضية إلى المحكمة حيث توسط المحامي بين الطرفين مما أدى إلى إسقاط الشكوى المقدمة من قبل والد راشد. ومع ذلك، لو لم يكن المحامي حاضراً خلال المرحلة الأولى لربما أدين الشابان بعقوبة أقسى بكثير مما يستحقان.

 

يؤدي وجود محامٍ إلى جانب الأفراد (متهمين وضحايا) إلى تغيير تصوراتهم عن نظام العدالة، كالمرشدين في منطقة أجنبية يساعد المحامون الأفراد بالشعور بالأمان مع تعزيز كفاءة وفعالية نظام العدالة الجنائية. يساهم هذا في ضمان الممارسات الصحيحة وحماية حقوق المتهمين بالإضافة إلى تعزيز معايير المحاكمة العادلة وسيادة القانون. من خلال هذه العملية يبني مركز العدل ثقة الأفراد وأسرهم تجاه نظام العدالة مما يزيد اعتماد المجتمع على سيادة القانون.

 

في حالة يزن، أدى وجود محامٍ إلى تحويل وضعه من مشتبه به إلى ضحية. حيث عانى يزن من الكثير من المضايقات بسبب مظهره الذي لا يتوافق مع المعايير الجنسانية النمطية للذكورة في المجتمع الأردني. في النهاية قرر يزن إبلاغ الشرطة عندما تعرض لمضايقات لفظية وجسدية من قبل مجموعة من الرجال، إلا أن الضباط المسؤولين عن الملف لم يستجيبوا ورفضوا التعامل معه كضحية. تواصل يزن مع مركز العدل ورافقه المحامي المناوب داخل المركز الأمني، مما أدى إلى تغيير موقف الضباط المسؤولين وتقديم شكوى ضد مجموعة الرجال ورفع القضية إلى المحكمة.

 

إن وجود محامٍ لا يعد ضمانة لحقوق من يمثلهم فحسب، بل يساهم في كسر تأثير العادات والتقاليد المجتمعية لصالح التطبيق العادل للقانون.

 

من خلال خدمات الخط الساخن والخدمات القانونية، أنشئ مركز العدل ثقافة قانونية مجتمعية تدرك أهمية المعرفة القانونية وأهمية الاستعانة بمحامٍ. يتواصل أفراد المجتمع الآن مع مركز العدل من أجل الحصول على استشارة قانونية قبل أن يتم احتجازهم، أي قبل تسليم أنفسهم أو القبض عليهم. وبدأ الأفراد بالمطالبة بالاستعانة بمحامٍ منذ بدء إجراءاتهم الجنائية في المراحل الأولى للمحاكمة. تنتشر المعرفة القانونية وتتعزز سيادة القانون ويفخر مركز العدل بأن يكون حافزاً لهذا التغيير.

معاً، نساهم في تشكيل العدالة

نؤمن في مركز العدل بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من قبل أي منظمة بمفردها، لذلك عملنا على مدار أكثر من ١٠ سنوات بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني الأخرى من خلال التعاون مع شبكة الشراكات المختلفة في إطلاق حملات العدالة المجتمعية بالإضافة إلى تقديم الخبرة اللازمة لتعزيز قدرات جهود المجتمع المدني من منظور قانوني.

 

يؤدي مركز العدل دوراً نشطاً في المجتمع المدني عندما يتعلق الأمر بالعدالة الجنائية. من بين العديد من المبادرات، أطلق مركز العدل حملة #٨_دستور بالشراكة مع مديرية الأمن العام. يشير عنوان الحملة إلى المادة الثامنة من الدستور الأردني والتي تتناول الحقوق والأنظمة المتعلقة بالاحتجاز والاعتقال. ركزت الحملة على الحقوق في مرحلة ما قبل المحاكمة مع تذكير أفراد المجتمع المستمر بحقهم في الاستعانة بمحامٍ خلال أي مرحلة من مرحلة التقاضي. بالإضافة إلى ذلك، يقدم مركز العدل الدعم المباشر للمدافعين عن حقوق الإنسان من خلال الاستفادة من خدمات المساعدة القانونية عن الاعتقال بسبب المشاركة في المظاهرات العامة. كما يتعاون مركز العدل بشكل وثيق مع المركز الوطني لحقوق الإنسان لتوثيق وإحالة شكاوى التعذيب. من خلال مشاركته في العديد من الائتلافات، يقدم المركز تقارير الظل إلى الاستعراض الدوري الشامل حول الاحتجاز والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، ويدافع عن الفضاء المدني في الأردن من خلال الضغط من أجل سن وتعديل تشريعات تأخذ في الاعتبار احتياجات الفئات الأكثر ضعفاً. بالإضافة إلى ذلك يدرب مركز العدل المنظمات المجتمعية الأخرى حول قضايا العدالة الجنائية مع التركيز على قانون الاحداث والعقوبات البديلة وآليات الإحالة. يسعى مركز العدل جاهداً إلى تعزيز التمكين القانوني داخل المجتمع لخلق التغيير والمساهمة في تشكيل العدالة.

وضع احتياجات الأفراد على رأس جدول أعمال السياسة

يعد إشراك ومشاركة المؤسسات الحكومية والعامة أمراً هاماً من أجل تحقيق التغيير المستدام على المدى الطويل، لذلك أقام مركز العدل شراكات قوية مع العديد من أصحاب المصلحة لبناء نظام قانوني للفئات المستضعفة فعال، شامل وخاضع للمساءلة.

 

يتمثل الهدف النهائي لمركز العدل في إنشاء نظام وطني مستدام للمساعدة القانونية. لذلك يشارك المركز في مراحل عدة من أجل الوصول إلى هذا الهدف. بالتعاون مع وزارة العدل، يبني مركز العدل قدرات ضباط الاتصال في المحكمة المسؤولين عن تحديد الأفراد المستحقين لخدمات المساعدة القانونية من خلال تعيين محامٍ لتمثيلهم من قبل المحكمة.

 

كما يعمل مركز العدل بشكل وثيق مع مديرية الأمن العام من خلال بناء قدرات ضباطها وتدريبهم على الآليات القانونية السليمة للاحتجاز والتوقيف قبل المحاكمة، ومنع سوء المعاملة والتعذيب، بالإضافة إلى الممارسات الفضلى من أجل تحقيق محاكمة عادلة للمتهمين. مكّن هذا التعاون محامو مركز العدل من التواجد في أقسام ومديريات الشرطة عند استدعائهم من خلال خدمة الخط الساخن للاحتجاز. يتواصل ضباط الشرطة أحياناً بأنفسهم مع مركز العدل لإحالة قضايا المحتجزين. كجزء من تعاون المركز مع مديرية الأمن العام، يعمل المركز أيضاً مع شرطة الأحداث من أجل تعزيز حماية الطفل داخل نظام العدالة في القضايا الجنائية.

 

بما يتعلق بالمناصرة من أجل التغيير التشريعي، لعب مركز العدل في عام ٢٠١٨ دوراً رئيسياً في سحب وتعديل قانون الجرائم الالكترونية مما أدى إلى تضييق نطاق التجريم والعقوبات ذات الصلة، حيث أعد المركز ورقة موقف متخصصة حول مشروع القانون وشارك في حملة #حر_يانت. يواصل مركز العدل الدعوة إلى تعزيز التشريعات والممارسات، كالدعوة إلى التغيير فيما يتعلق بحبس المدين المعسر. في الواقع لا يزال الأردن يسمح بحبس المدين المتعسر عن سداد دينه مع عقوبات تصل إلى ٩٠ يوماً عن الدين الواحد حتى لو كان المدين قاصراً. من خلال الأوراق التحليلية والتوصيات القانونية يدعو مركز العدل إلى اتباع نهج يحمي كل من الدائن والمدين مع اقتراح حلول من شأنها الحد من حبس المدين.

 

من خلال اعتماد نهج شامل تشاركي ومجتمعي، يعمل مركز العدل على تعزيز العدالة الجنائية على المستوى الوطني في محاولة لتحقيق نظام يضمن الحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية لغير المقتدرين.